محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه وسلم ، ثم تلا القرآن ؛ فلما رجع نبي الله قلت : يا نبي الله ما اللغط الذي سمعت ؟ قال : " واجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم ، فقضي بينهم بالحق " . وذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط ، فراعوه ، قال : من هؤلاء ؟ قالوا : هؤلاء نفر من الأعاجم ، قال : ما أريت للذين قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام من الجن شبها أدنى من هؤلاء . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ذهب وابن مسعود ليلة دعا الجن ، فخط النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود خطا ، ثم قال له : " لا تخرج منه " ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجن ، فقرأ عليهم القرآن ، ثم رجع إلى ابن مسعود فقال : " وهل رأيت شيئا " ؟ قال : سمعت لغطا شديدا ، قال : إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينها ، فقضي بينهم بالحق ، وسألوه الزاد ، فقال : " وكل عظم لكم عرق ، وكل روث لكم خضرة " . قالوا : يا رسول الله تقذرها الناس علينا ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بأحدهما الطهارة ؛ فلما قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزط ، وهم قوم طوال سود ، فأفزعوه ، فقال : أظهروا ؟ فقيل له : إن هؤلاء قوم من الزط ، فقال ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود : حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن ، قال : أجل ، قال : فكيف كان ؟ فذكر الحديث كله . وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطا وقال : " ولا تبرح منها " ، فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذعر ثلاث مرات ، حتى إذا كان قريبا من الصبح ، أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أنمت " ؟ قلت : لا والله ، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول : " واجلسوا " ، قال : ولو خرجت لم آمن أن يختطفك بعضهم " ، ثم قال : وهل رأيت شيئا ؟ " قال : نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض ، قال : " أولئك جن نصيبين ، سألوني المتاع ، والمتاع الزاد ، فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة " ، فقلت : يا رسول الله ، وما يغني ذلك عنهم ؟ قال : " إنهم لن يجدوا عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستسقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة " . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا أبو زرعة وهب بن راشد ، قال : قال يونس ، قال ابن شهاب : أخبرني أبو عثمان بن شبة الخزاعي ، وكان من أهل الشام أن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة : " من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل " . فلم يحضر منهم أحد غيري ، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة ، خط لي برجله خطا ، ثم أمرني أن أجلس فيه ، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن ، فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، حتى بقي منهم رهط ، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر ، فانطلق متبرزا ، ثم أتاني فقال : " وما فعل الرهط " ؟ قلت : هم أولئك يا رسول الله ، فأخذ عظما أو روثا أو جمجمة فأعطاهم إياه زادا ، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث الطهارة . حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : ثنا عمي عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي ، وكان من أهل الشام ، أن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله سواء ، إلا أنه قال : فأعطاهم روثا أو عظما زادا ، ولم يذكر الجمجمة . حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : ثني عمي ، قال : أخبرني يونس ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن مسعود ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون " . واختلفوا في الموضع الذي تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه القرآن ، فقال عبد الله